الجاحظ
81
رسائل الجاحظ
والصبابة لسرعة عودته ، والحزن لفراقه . فإذا أحست بأن سحرها قد نفذ فيه ، وأنه قد تعقل في الشرك ، تزيدت فيما كانت قد شرعت فيه ، وأوهمته أن الذي بها أكثر مما به منها ، ثم كاتبته تشكو إليه هواه ، وتقسم له أنها مدت الدواة بدمعتها ، وبلت السحاءة بريقها ، وأنه شجبها وشجوها في فكرتها وضميرها ، في ليلها ونهارها ، وأنها لا تريد سواه ، ولا تؤثر أحدا على هواه ، ولا تنوي انحرافا عنه ، ولا تريده لماله بل لنفسه ، ثم جعلت الكتاب في سدس طومار ، وختمته بزعفران ، وشدته بقطعة زير ، وأظهرت ستره عن مواليها ، ليكون المغرور أوثق بها . وألحت في اقتضاء جوابه ، فإن أجيبت عنه ادعت أنها قد صيرت الجواب سلوتها ، وأقامت الكتاب مقام رؤيته ، وأنشدت : وصحيفة تحكي الضمي * ر مليحة نغماتها جاءت وقد قرح الفؤا * د لطول ما استبطاتها فضحكت حين رأيتها * وبكيت حين قراتها عيني رأت ما أنكرت * فتبادرت عبراتها أظلوم ، نفسي في يدي * ك : حياتها ووفاتها ثم تغنت حينئذ : بات كتاب الحبيب ندماني * محدثي تارة وريحاني أضحكني في الكتاب أوله * ثم تمادى به فأبكاني ثم تجنت عليه الذنوب ، وتغايرت على أهله ، وحمته النظر إلى صواحباتها ، وسقته أنصاف أقداحها ، وجمشته بعضوض تفاحها ، وتحية من ريحانها ، وزودته عند انصرافه خصلة من شعرها ، وقطعة من مرطها ، وشظية من مضرابها ، وأهدت إليه في النيروز تكة وسكرا ، وفي المهرجان خاتما وتفاحة ، ونقشت على خاتمها اسمه ، وأبدت عند العثرة رسمه ، وغنته إذا رأته : نظر المحب إلى الحبيب نعيم * وصدوده خطر عليك عظيم